السيد نعمة الله الجزائري

19

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

وأمضاه تعالى يعسر بعد ليلة ثلاث وعشرين ، وإن ورد أن للّه فيه المشيئة ، وأما فائدة تنزل الملائكة بحوادث السنة تلك الليلة على الإمام عليه السّلام مع أنه قد تواتر بين الشيعة أن عند الأئمة عليهم السّلام كتاب الجفر والجامعة ومصحف فاطمة وسائر علوم القرآن ، وفيها ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، فالذي يظهر من ممارسة آثارهم عليهم السّلام أن لعلومهم مراتب في الإجمال والتفصيل ، فالكتب المزبورة متضمنة لسائر العلوم على طريق الإجمال ، من غير تفصيل للأمور الواقعة في كل سنة ، وفي ليلة القدر يعزز منها علم ما يقع في تلك السنة من غير تفصيل لحوادث كل أسبوع ، وفي ليلة الجمعة تزور أرواحهم العرش فيفرز من هذا العلم العلم المتعلق بذلك الأسبوع ، كما قال عليه السّلام ولولا أن أرواحنا تزور العرش ، وتطوف حوله ليلة الجمعة وتكتسب من هناك علوما شتى لنفد ما عندنا ، وأما ما يحتاجون إليه من حوادث الساعات فيحصل لهم تارة بالنقر في الأسماع ، وأخرى بالنكت في القلوب ، وهذا إنما هو بالنسبة إلى بعض علومهم ، كما لا يخفى . وأما القول بأنهم عليهم السّلام يعلمون تلك العلوم على طبق لوح المحو والإثبات وينزل عليهم تلك الليلة ما خلا عنهم ، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام لولا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وهي قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ، أو أنهم عليهم السّلام يعلمونها مفصلا لكنهم غير مأذونين في إلقائها إلى الناس إلا إذا فصلت تلك الليلة ، كما وقع لجدهم عليه السّلام من معرفته لتفاصيل القرآن قبل البعثة ، ولم يرخص في الإخبار بها بعدها إلا بعد نزولها مفصلة ثانيا ، أو أن فائدة النزول تشريف الملائكة بخدمتهم وبالسلام عليهم فلا يخلو من بعد ، سيما هذا الأخير ، فإنه خال من الدليل ، وهذا كله ظاهر لا غبار عليه ، وإنما الإشكال في أن ليلة القدر مختلفة باختلاف الأقاليم بناء على كروية الأرض ، وحينئذ فمدار ليلة القدر على أي بلاد ، ذكر فيه أستاذنا العلامة ضروبا من الأقوال ، أولها أن المدار على بلد الإمام عليه السّلام ، ويكون لمن سواهم ذلك الثواب إذا عملوا أعمالها في الليلة الأخرى ، وثانيها أن يكون عليه السّلام في كل ليلة في إقليم ، وتنزل عليه الملائكة في الليلتين ، وثالثها أن يكون عليه السّلام مستقرا في بلده ، وتنزل عليه الملائكة في كل ليلة بأحوال تلك البلاد التي تلك الليلة ليلة قدرهم ، وأحسن هذه الوجوه هو الأول .